(هكذا تلعب سحر عبد الله بالألوان (حكايات فنّون ومهمة تعليم الأطفال رؤية العالم

سحر عبد الله تتصدر تصنيفات جائزة الشيخ زايد
June 23, 2016
ترشيحى لجائزة الشيخ زايد اشارة بأنى على الطريق الصحيح
June 23, 2016

(هكذا تلعب سحر عبد الله بالألوان (حكايات فنّون ومهمة تعليم الأطفال رؤية العالم

كتب :محمد أبو زيد

بحسب بول كلي، في كتابه “نظرية التشكيل”، فالفن لا يكرر الأشياء التي نراها ، ولكنه يجعلها مرئية”، وفي كتابها الجديد “حكايات فنون”، ومعرضها الذي حمل نفس الاسم، تعيد الفنانة سحر عبد الله صياغة عالم الطفل، والأشياء من حوله، كما تعيد تشكيل الأشياء المعتادة لتقدم عالما ملموسا ، مختلفا عن الواقع في آن

فالكتاب الذي يقدم أربع حكايات، تعرف الطفل على عالم الفن التشكيلي، يؤكد هذا المعنى في الحكاية الأخيرة “كل هذه القطط”، حيث يبدو مطلوبا من “فنون” بطل القصة أن يرسم “قطة” مختلفة عن تلك التي رسمها من قبل تحية حليم، وزينب السجيني، وجاذبية سري، وحامد ندا، ورباب نمر، ليدرك الطفل أنه لا يكرر الأشياء من حوله، ولا الأشياء المرسومة، حتى لو كانت لنفس الشيء، وإنما يرسم بأسلوبه الخاص والمختلف، ومن هنا تأتي نصيحة السطر الأخير “ارسم دوما لا تتوقف أبدا”

خلق عالم يخص الطفل، وتعليمه أن بإمكانه أن يكون مختلفا بألوانه، وبرؤيته، تبدو هذه هي الرسالة الأولى للكتاب الصادر أخيرا عن دار إلياس، والذي تأخذ فيه سحر عبد الله، الأطفال في جولة في عالم الفن التشكيلي، لكي يتعرفوا على عدد من أبرز الفنانين التشكيليين، وطرقهم المختلفة في الرسم، وهو ما يقرب عالم الفن التشكيلي والألوان من الطفل، ويساعده على خلق حاسة تذوق الفن لديه، وهو ما يذكرنا أيضا بما قاله بول كلي من أن الفن يشبه الخلق، عملية مستمرة لتحرير العناصر وإعادة تجميعها في تفريغات تابعة، فالفن يلعب بالأشياء النهائية، لعبة بلا معرفة ولكنه يمسك بها

في معرضها، وكتابها الأخير “حكايات فنون”، تقدم سحر عبد الله، تجربة جديدة على عالم الأطفال، وهي تعليم الأطفال أساسيات الفن التشكيلي، عبر اختيارها أربعة من رسامي الاطفال هم “حلمي التوني”، وجورج البهجوري”، و”عدلي رزق الله”، فضلا عن الفنان الأمريكي آندي وورل، ولا يبدو اختيارها لهؤلاء الفنانين الأربعة ارتجاليا، ففي مهمتها لتعليم الأطفال قواعد الفن التشكيلي، تبدو مشغولة بتعليمهم الفنيات والتقنيات المختلفة، فتختار عدلي رزق الله لأنه “ملك الألوان المائية”، كما تطلق عليه، وتختار بهجوري لأنه يستخدم فن الكولاج، الذي تستخدمه في لوحاتها أيضا، وتختار التوني، لأنه يستخدم الموتيفات الشعبية، وتختار وورل لأنه يصنع لوحات من أشياء عادية حولنا، وهو ما تطلق عليه فن البوب أو الفن الشعبي الأمريكي، اللافت هنا هو أنه بالتوازي مع تميز أساليب الفنانين الكبار الأربعة في الرسم يبدو تميز أسلوب سحر عبد الله، في استخدامها للكولاج، فضلا عن تميز ألوانها، وشخصياتها، في هذا الكتاب وغيره، وعالمها الطفولي المميز الذي لا يشبه شيئا آخر

تبدو الإشكالية الاساسية فيما يقدم لعالم الأطفال من كتابة ورسوم الآن في عالمنا العربي، أن معظم ما يقدم لا يهتم بالبنية الأساسية لعالم الأطفال، فضلا عن حالة من الاستيهال تسبغ ما يتم تقديمه بنكهة تجارية، غير أن سحر عبد الله  تبدو مهمومة فيما تقدمه ببناء عالم للأطفال، عبر شخصياتها، التي تغوص في هذا العالم، فتقدم أطفالا يشبهون الأطفال، وقمرا يطيرون نحوه كالذي يلوح في خيالهم، وفراشات مثل التي يحلمون أن يطاردونها، وبيوتا كالتي يرسمونها في كراريسهم، تقدم عالما طفوليا حقيقا، كأن من رسمه طفلة لم تغادر عالم الطفولة، وتعلم كل تفاصيله، غير أنها تتقن لعبة الألوان جيدا

تقدم سحر عبد الله في لوحاتها من يمكن اعتباره “فنا تشكيليا للأطفال”، فعلى الرغم مما أشرت إليه من تعامل الكثيرين مع هذا الأمر بشكل تجاري بحت، إلا أن سحر تتعامل مع رسومها للأطفال، حتى لو كانت ستنشر في جريدة أو مجلة، وكأنها تقدم عملا تشكيليا كبيرا،  فتعتمد على أسلوب الكولاج، وهو ما سيلاحظه زائر المعرض، لكن قد لا يلحظه قارئ الكتاب أو المجلة، وهي في ذلك، تؤكد على اهتمامها الزائد بتقديم عمل مختلف، حقيقي،  وهو ما يجعلنا ننظر إلى كل عمل مقدم باعتباره لوحة مستقلة مع النص المصاحب

تهتم سحر عبد الله في مشروعها الجديد، المكون من كتاب ومعرض وورش رسم، بتعليم الأجيال الجديدة ثقافة الصورة، وتثقيف العيون تشكيليا، وهي بهذا تستند إلى ما عرف به جودنف الثقافة من أنها “صور الأشياء في عقول البشر وأنماطهم في إدراك هذه الأشياء وعلاقتهم بها”، حيث تغيب في مجتمعاتنا تربية أذواقنا على ثقافة اللون، والشكل، والصورة، لكن سحر تبدو حريصة في مشروعها الفني على تربية الذوق الفني، وتذوق الصورة، وهو المشروع يمكننا اعتباره قد بدأ منذ كتابها الأول الصادر عام 2006، حيث تبدو حريصة على تربية العين فنيا، وتنمية الخيال، وحث الطفل على طرح عشرات الأسئلة التي تطل من لوحاتها

المتابع لأعمال سحر عبد الله منذ معرضها الأول قبل ثلاث سنوات في ساقية الصاوي وانتهاء بالمعرض والكتاب الأخير، يلاحظ  تطورا، بل قفزات نوعية في استخدامها لتقنيات الرسم واختيار الألوان، فاللوحات التي لا زالت تتسم بنفس روح الطفلة التي ترسم كما كان موجودا في اللوحات الأولى، نجد أن وعي الفنانة تجاوز الطفلة التي ترسم عالمها بألوانها، لتقدم في الأعمال الجديدة، روح الطفلة، ووعي الفنانة التي تعرف كيف تختار ألوانها، وكيف توجه الطفل، وتعرف ماذا تقول له، وكيف سيستجيب لها؟

ألوان قوس قزح، هي مزج لوني لا تنتمي إلى عالم مفارق لنا، ولا تنتمي إلى عالمنا بالكامل، غير أن الألوان السبعة تبدو هي الأكثر وضوحا في عالم سحر عبد الله اللوني، ربما لرغبتها في الوصول إلى عالم قوس قزح، الذي يربض ما بين الواقع والخيال، حيث تحاول أن تصل مع كل لون فيه إلى قوته اللونية التي تناسب عالم الأطفال الذي تتعامل معه، معتمدة على أن التعبير اللوني الصريح الذي يجذب عين الطفل

تفهم سحر عبد الله لغة الألوان جيدا، تماما كما تفهم عالم الأطفال، لذا فهي تختار ألوانها في الكتاب الجديد بعناية، فيبدو فنون واقفا، وهو يمسك فرشاته في يده كأنها سلاحه لتجميل العالم وجعله أفضل، كما تفهم سحر لغة الخيال، تماما كما عرفه  الشاعر الفرنسي أندريه بريتون بأنه، أي “الخيال وحده هو الذي يجعلني واعيا بالممكن، وبالنسبة لي يكون كافيا أيضا أن أستسلم للخيال”، فالخيال الموجود في لوحات سحر عبد الله هو خيال الطفل، الخيال الجامح الذي لا يحده الواقع، ولا فن الممكن

“عندما أقف أمام حامل اللوحة أشعر بأنني حي”، هكذا قال فان جوخ يوما، بعد أن وصفوه بأنه أعاد اكتشاف الشمس، وفي لوحاتها الجديدة تنقل سحر عبد الله الحياة إلى اللوحات أمامها، فيرى فيها كل طفل ذاته، تعيد اكتشاف الألوان، وتفاصيل عالم الطفل، لتقدمها له كما يحب وكما تنمي مداركه ووعيه ومعرفته، كما تفعل في مشروع “حكايات فنون”، كما تدرك أنها في مهمة صعبة لتغيير قبح العالم، وتعليم الأطفال كيف يرون الحياة أجمل

ترسم سحر عبد الله ما تحب، وما يحب الأطفال أن يروه، وما تدرك أنه لا أحد يعرفه سواها، تملك شفرة عالم الأطفال وابتساماتهم، تبدو أعمالها كأنها قطعة من روحها، تبدو شخوصها كأنها انعكاس لبهجتها، ترسم بجدية، وبطفولة،  تختزن في أعمالها خبرات ثقافية متعددة، لمدارس الفن التشكيلي المتنوعة، لوعيها الخاص، وإدراكها الخاص معنى اللون وأهميته، تدرك  سحر عبد الله أن الفن يمكن أن يجعل الأجيال القادمة أفضل، تعرف أن الفن يمكن أن يغير العالم، وهي تسعى إلى ذلك

————————————————–

نشر في جريدة القاهرة