صندوق الدنيا وحكايات سحر عبد الله

خربشات … أول معرض تفاعلى للأطفال
June 21, 2016
“حكايات فنّون” مشروع لتعليم الأطفال الفن التشكيلى
June 21, 2016

صندوق الدنيا وحكايات سحر عبد الله

كتبت : منى عبد الكريم

كنت أجلس إلي صندوق الدنيا وأنظر ما فيه،‮ ‬فصرت أحمله علي ظهري وأجوب به الدنيا،‮ ‬أجمع مناظرها وصور العيش فيها عسي أن‮ ‬يستوقفني أطفال الحياة الكبار،‮ ‬فأحط الدكة وأضع الصندوق علي قوائمه،‮ ‬وأدعوهم أن‮ ‬ينظروا ويعجبوا ويتسلوا‮”‬

إبراهيم عبد القادر المازني‮- ‬صندوق الدنيا‮ ‬
كانت تلك المرة الأولي التي أري فيها صندوق الدنيا،‮ ‬وأجلس علي الدكة الخشبية لأستمع لإحدي الحكايات،‮ ‬لكن الحكاية هذه المرة قدمتها الفنانة الشابة سحر عبد الله التي تغرق في تفاصيل عالم الأطفال من خلال تخصصها في رسومات كتب الأطفال،‮ ‬والتي قررت في معرضها الأخير الذي استضافته جمعية النهضة العلمية والثقافية‮ (‬جيزويت القاهرة‮) ‬واستمر لمدة شهر‮  ‬تحت عنوان‮ “‬خربشات‮”  ‬أن تقدم نموذجا فعليا لصندوق الدنيا،‮ ‬نفذته بالخشب‮.. ‬وتركت الفرصة للزوار من الكبار والصغار للاستماع لحكاية‮ “‬توت البرغوث‮” ‬من خلال صندوق الدنيا‮ .. ‬فمزجت الأصالة بالمعاصرة وأحيت بذلك فنا من فنون الحكي التراثية‮. ‬

‮ ‬scribbles)‮‬ وخربشات كما تقول سحر أومستوحي من‮  ‬تلك الخطوط التي‮ ‬يرسمها الطفل علي سطح اللوحة،‮ ‬بمعني آخر شخبطة الأطفال علي اللوحة‮. ‬وتعتبر سحر واحدة من القلائل المهتمين بعمل معارض فنية للأطفال،‮ ‬ولكنها لا تكتفي بالعرض وإنما تقوم فكرتها بالأساس علي التفاعل مع الأطفال الزائرين‮.‬
وقد قام مشروع‮ “‬خربشات‮” ‬علي معرض تفاعلي لأطفال المرحلة الابتدائية،‮ ‬فيصبح الطفل داخل رحلة مشهدية بين مكونات المعرض،‮ ‬ويشاهد الأطفال‮  ‬24‮ ‬لوحة‮ ‬يصاحبها نص أدبي‮ – ‬عن كتاب‮” ‬وجدت بيتا‮ ..‬توت البرغوت‮ ” ‬والمرشح لجائزة الشيخ زايد لهذا العام‮. ‬وتحكي القصة عن برغوث‮ ‬يبحث عن بيت،‮ ‬فينتقل من مكان إلي مكان،‮ ‬لكنه دائما مطارد،‮ ‬وكلما أعجبه منزل‮ ‬يدخل إليه دون استئذان،‮ ‬ويبذل محاولات كثيرة ليجد بيتا،‮ ‬وهذا البرغوث‮ ‬يعيش في جسد قط ويقوم بتسجيل مغامراته اليومية الذي لا‮ ‬يجعله‮ ‬يهنأ ولو ليوم واحد،‮ ‬ولكن البرغوث لا‮ ‬ييأس أبدا في البحث عن بيت لتستمر حياته،‮ ‬فهل‮ ‬يقبل القط بوجوده؟؟ وهل من حقه أن‮ ‬يكون لديه بيت؟ وهل هو بذلك‮ ‬يستولي علي شيء ليس من حقه،‮ ‬وهنا‮ ‬يحكم الطفل علي القصة بنفسه ويقرر ما إذا كان علي البرغوث أن‮ ‬يرحل أم‮ ‬يستمر في الحياة في جسد القط‮ ..‬أو‮ ‬غير ذلك‮


ويرتبط النص بالرسوم التوضيحية الناتجة عن‮ “‬خربشات‮” ‬أقلام الرصاص والفحم تجاورها ألوان الاكريليك مع إضافة بعض الأوراق والأقمشة الملونة بأسلوب مبسط للأطفال فيكونون أمام كتاب مصور‮ ‬يطل فيه البرغوث علي الأطفال متحركا ومنتقلا في أجزاء اللوحة،‮ ‬إذ‮ ‬يستطيع الأطفال تحريكه في بعض اللوحات من خلال اللوحات المطوية،‮ ‬فينتقل معهم ليكون العرض أكثر مرحا للطفل،‮ ‬غير مقيد بحدود فاتحا أبواب الحرية في التعبير وكذلك التلقي،‮ ‬لترسيخ فكرة البيت والانتماء له والحفاظ عليه من كل من‮ ‬يفكر بالاستيلاء عليه كالبرغوث‮.    ‬

وقد قامت سحر فعليا بتنفيذ نموذج حقيقي لصندوق الدنيا،‮ ‬حيث قامت بزيارة للمتحف الزراعي بالدقي وتعرفت علي نموذج فعلي لصندوق الدنيا،‮ ‬وقامت بتنفيذ ماكيت صغير بمقاسات محددة قبل أن‮ ‬يقوم النجار بتكبيرها،‮ ‬ثم قامت بالرسم عليه وغيرت‮  ‬الألوان حتي‮ ‬يتماشي مع الروح العصرية‮.‬
وقد تجول معرض سحر بين عدة أماكن حيث استضافه المركز الثقافي البريطاني لمدة‮ ‬يومين،‮ ‬بعدها انتقل إلي جاليري المشربية ليوم واحد‮ ‬،‮ ‬وأخيرا إلي جمعية النهضة العلمية والثقافية‮ ‬،‮ ‬وقد‮  ‬أضيف إلي المعرض الحكي علي الربابة،‮ ‬حيث قام بتحويل النص‮ ” ‬وجدت بيتا‮ ..‬توت البرغوت‮ ” ‬إلي كلمات شعرية محمود فهمي‮ ‬،‮ ‬وقام بالحكي روني برسوم‮ ‬،‮ ‬وبمصاحبة عزف علي الربابة‮  ‬سمير سعد‮ .‬


التقينا بسحر عبد الله وسألناها عن علاقة الفن بلعب الأطفال وعن الألعاب في حياتها،‮ ‬وكان لنا معها هذا الحوار‮ :‬


قدمتي معرضك الأخير صندوق الدنيا وحولته لنموذج‮ ‬يستخدمه الأطفال في الاستماع إلي الحكاية ؟ فهل تنوين تعميم الفكرة؟‮ ‬
‮-‬قصدت بذلك الربط بين وسائل الحكي المختلفة للأطفال من خلال‮ “‬صندوق الدنيا‮”  ‬وبمصاحبة الحكواتي علي الربابة وكذلك القصة التفاعلية المصورة علي حوائط المعرض،‮ ‬لنعيد للطفل علاقته بالفنون المصرية الفلكولورية والتي نكاد ننساها،‮ ‬من خلال‮ “‬صندوق الدنيا‮” ‬الذي‮ ‬يتحول إلي رسم متحرك منميا الخيال لديه فيستمتع بالحكي للنص الأدبي بمصاحبة عزف علي آلة الربابة،‮ ‬فيكون للموسيقي أيضا دور مصاحب لسرد الحكاية‮ ‬،‮ ‬وتشترك الفنون جميعها للتأكيد علي فكرة المعرض‮. ‬
أما‮ ” ‬صندوق الدنيا‮ ” ‬فيصبح بمثابة تحد للتطور التقني وعودة إلي عالم الفطرة‮ ‬،‮ ‬فيمثل‮ ” ‬صندوق الدنيا‮ ” ‬استعادة البيت الذي إذا تركناه وحيدا‮ ‬يصبح مطمعا للآخرين‮- ‬اعتمادا علي ما ذكر بنص كتاب‮ “‬وجدت بيت‮ .. ‬توت البرغوت‮”..  ‬فإذا نسينا تلك الفنون حلت مكانها أشياء أخري لا تنتمي بالأصل إلينا،‮ ‬فقد اجتاحتنا تلك الوسائل الاستهلاكية،‮ ‬مما أفقدنا جزءا كبيرا من الخيال وفقدنا ما‮ ‬يميزنا عن الآخرين‮. ‬لذا فقط جاءت الفكرة مترابطة‮. ‬لكنني في بعض الأحيان أجدني منجذبة لتعميمها‮ . ‬

‮ ‬ما رأيك إذا في ربط التراث بلعب الأطفال ؟
– ‬ربما‮ ‬يكون ذلك هو ما‮ ‬يميزنا عن الآخرين بالفعل،‮ ‬بل ويؤكد علي هويتنا‮. ‬فالألعاب وليدة البيئة‮ .. ‬بقصد التسلية وهي أيضا تأكيد علي الروح الجماعية في الأداء والتنافس‮. ‬كما تتعدي أيضا فكرة كونها لعبة‮ ‬يلهو بها الأطفال إلي كونها امتدادا لموروث،‮ ‬فهي إحدي مفرادت الحياة بالنسبة للطفل،‮ ‬وتسهم في تكوين شخصيته وتبرز الطاقات الكامنة فيه‮ ..‬بل هي عادات وتقاليد متوارثة من خلال أجيال قابلة لإحداث التغيير‮ ..‬لذا لنرتبط بالتراث لنكون متميزين‮.. ‬ولنحدث أيضا بعض التغيير‮.‬

كيف أثرت الألعاب عليك في فترة الطفولة؟
هي رفيقة أيامي‮.. ‬أتذكر الآن أيام الطفولة‮ .. ‬وكيف كانت تسافر الألعاب معي إلي مصر في إجازتنا الصيفية‮ .. ‬أري الصور لا تخلو من وجودها‮ .. ‬أحكي لها‮ .. ‬وأعالجها‮ ‬،‮ ‬فأضع لها‮” ‬القطرة‮ ” ‬بأن أرسم حول عينيها بالأقلام الملونة‮ ..‬ظلت رفيقتي لوقت قريب،‮ ‬فكانت مصدر السرور‮. ‬
أتذكر أيضا أن أغلب اللعب كانت لحيوانات ربما لذلك كانت إحدي أمنيات الطفولة هي أن أصبح‮ “‬دكتور بيطري‮” .. ‬كنت طفلة وحيدة فكانوا رفاقي تكتظ بهم‮ ‬غرفة نومي ومعهم كانت الحياة‮. ‬

‬من وجهة نظرك ما علاقة اللعبة بالفن التشكيلي؟ ومن هم الفنانون المتميزون في هذا المجال من وجهة نظرك؟
يري الأطفال في اللعبة مصدرا للبهجة،‮ ‬فاللعب نشاط عفوي حر‮ ‬يقوم به الطفل مستخدما طاقات جسده‮  ‬الذهنية والحركية وهو ما قد‮ ‬يشبه ممارسة الفن التشكيلي،‮  ‬فهو أيضا نشاط حر‮ ‬يبعث البهجة في المبدع قبل المتلقي وأقصد هنا الموقف وليس نوع النشاط أو ما‮ ‬ينتج عنه‮. ‬واللعبة ارتبطت بتاريخ الإنسانية منذ المصري القديم وما ورث للفلاحين المصريين،‮ ‬إذ‮ ‬يضعون عروسة تشبه وليد الجاموسة بجوارها لتستمر في إدرار اللبن ويصنعون خيال المآتة ليخيفوا الطيور‮. ‬وتمتد ألعاب شعبية استخدموا فيها سعف النخيل وأغصان الأشجار وثمار الفاكهة‮ “‬كالحكشة‮ ” ‬و‮” ‬السيجة‮ “. ‬ثم نجد الفتيات‮ ‬يصنعن العرائس لينمو حب الفن لديهن ويلعب الأطفال الحجلة‮ ‬،‮ ‬الاستغماية‮ ‬،‮ ‬الطائرة الورقية لتخلق لديهم بشكل ما حالة من الإبداع‮ .‬
ونجد الفنانين المعاصرين‮ ‬يستلهمون من تلك الألعاب الشعبية لوحاتهم‮  ‬فتجمع‮ ” ‬جاذبية سري‮ ”  ‬بين العنصر العضوي‮ ” ‬الإنسان‮ ” ‬والأشكال الهندسية في مجموعة لوحات اهتمت فيها بالألعاب الشعبية‮ ‬،‮ ‬و”زينب السجيني‮” ‬لا تخلو لوحاتها من تلك الفتيات التي تلعب ويصاحبهن بعض الحيوانات الأليفة في عالم من المحبة والألفة‮ . ‬بينما نجد البهجة والألوان الصريحة والخطوط السوداء تحدد الأشكال في عالم‮ ” ‬خالد سرور‮ ” ‬لتكون الحياة هي اللعب‮ .‬

‮ ‬كيف ترين التأثير السيكولوجي للعبة علي الأطفال ؟ وهل تضعين ذلك في حسبانك عندما ترسمين ؟
– ‬إضافة إلي ما تدخله اللعبة من بهجة لنفس الطفل واكتشاف للقدرات وتدريب علي الحياة الجماعية‮ . ‬فبلا شك لها تأثير سيكولوجي عليه،‮ ‬فقد تظهر فيه جوانب سلبية وميولا للعنف في بعض الأحيان‮ . ‬لكنها قد تعمل علي احترام وتقبل الآخر عبر الالتزام بقواعد اللعبة‮ . ‬في حين أخر قد تقود الطفل للعزلة عن واقعه مقابل حياة أخري بديلة‮ . ‬وقد تنمي خياله وتقوده إلي الإبداع‮.‬
‮ ‬لذا أفكر دائما في أن أخلق البهجة علي صفحات الكتاب وأن أري قبل الأطفال ذلك البريق في عيون الشخصيات،‮ ‬فليكونوا أذكياء مختلفين وحالمين‮.. ‬يكتشفون العالم من حولهم لذلك فالرسم ليس توضيحا بل عالماً‮ ‬خيالياً‮ ‬له تفاصيله‮  ‬التي تقود لنص آخر مدهش‮ .    ‬

‮ ‬لماذا اخترت مجال الكتابة والرسم للأطفال ؟‮ ‬
– ‬لأنها مصدر سعادتي‮  .. ‬فلا أتوقف علي تدريب حواسي علي اكتشاف الأشياء‮ .. ‬فاستمتع بدهشة لقائها لأول مرة‮ .‬
ففي كلية التربية الفنية بقسم‮ “‬التصميم‮ ” ‬طلب منا أن نقدم فكرة لكتاب وقتها اخترت أن‮ ‬يكون كتاب للطفل‮ .. ‬فكانت البداية‮ .. ‬ثم أنهي دراستي وأتوجه لمجلة‮  ‬قطر الندي‮” ‬وأبدأ من هناك‮ ‬،‮ ‬حيث كان الشاعر الراحل أحمد زرزور‮ ‬يترأس المجلة‮.. ‬ولازلت أتذكر بهجة أول‮ ‬يوم‮ ‬ينشر رسم لي بالمجلة‮ . ‬

لك رسومات في كتاب بعنوان لعبة الخيال ؟ فهل هو‮ ‬يتحدث عن الخيال أم عن اللعبة ؟
‮-‬بالفعل وقد صدر مؤخرا‮  ‬عن دار أصالة‮-  ‬بمعرض بيروت الدولي العربي للكتاب‮  – ‬للمؤلف السوري عبادة تقلا‮ .. ‬يتحدث الكتاب عن‮ “‬رامي‮ ” ‬الصبي الغارق في الخيال،‮ ‬الذي‮ ‬يدعو أخته‮ “‬راما‮”  ‬إلي رحلة‮  ‬علي متن زورق متخيل وعلي الشاطئ‮ ‬يستنشق هواء البحر ويذهب بزورقه للعمق مجدفا بمسطرة‮! ‬فيستمتعان بمنظر الغروب ويقتربان من صخور فيخبرها بأنهما سوف‮ ‬يعودنان في الغد لاصطياد السمك في لعبة الخيال‮.   ‬

وهل تظهر اللعبة في أعمالك كثيرا ؟
بالطبع،‮ ‬ففي كتاب‮ “‬ماما نائمة‮”  ‬تأليف سمر براج‮ ‬،‮ ‬هناك حديث مباشر عن اللعب،‮ ‬الذي عبرت عنه بالرسومات ونجد كيف تحاول‮ ” ‬تالا‮” ‬أن تشغل أخوها‮  ‬باللعب المختلفة حتي تستيقظ الأم من النوم‮ ‬،‮ ‬وإن تالا قامت بارتداء القفازات الملونة صانعة حركات مختلفة بتحريك‮ ‬يديها وغنت لأخيها‮ ‬،‮ ‬وهو ما فضله من اللعب جميعها‮.‬
وأنا أري أنه لا‮ ‬يمكن فصل الألعاب عن كتب الأطفال فكلها تقع في مساحة خيال الطفل‮ ‬،‮ ‬وأنا أتمني أن‮ ‬يتجه صناع الألعاب في مصر إلي تحويل بعض الشخصيات التي تظهر في كتب الأطفال المصرية‮  ‬وتحرك الخيال وتخلق في الطفل ميل لمحبة الفن والاكتشاف والإبداع إلي ألعاب وعرائس وبازل‮ (‬أحاجي الصور المقطوعة‮) ‬وغير ذلك‮ ‬،‮ ‬حتي‮ ‬يرتبط الطفل بتلك الشخصيات بدلا من الاعتماد علي النماذج الغربية،‮ ‬وهي بالفعل فكرة تم تطبيقها بالخارج مع الفنانين التشكيليين الذين‮ ‬يرسمون للأطفال حيث تم تحويل أعمالهم إلي ألعاب،‮ ‬فمثلا الرسام إيرك كارل‮  ‬Eric Carle ‮ « ‬تم تحويل كثير من أعماله إلي لعب أطفال،‮ ‬وكذلك الفنان،‮ ‬نيكولاس جاوني‮ »‬

  • _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
  •  نشر فى جريده اخبار الادب